
قد تبدو للوھلة الأولي علامة تحذیریة من سائق میكروباص في شدة غضبھ بعد تجارب بائسة لممارسة الحب في سیارة متھالكة تصنف كمواصلة عامة. سائق لم یعرف الحب قط، یُحتمل أیضا أنه عرف الحب یوما لكن ھجران حبیبته جعله لا یؤمن بالحب من یومھا بل ویسعي لإطفاء أي بزوغ لبارقتھ قد تظھر ف الأفق. بل إن الحقیقة أسوء من ذلك بكثیر.
أصحاب الخیال الخصب قد یتوسموا فیھا أفیشاً سینیمائیاً في أحد دور العرض لأحدث أفلام الأوسكار، یا للسخریة!!!
خلال السنوات الأخیرة.. وبعد انتخاب حسني مبارك بإكتساح أمام أبو طربوش وأمثاله.. أعرفھا تماما،ً بل صرت أدعوھا الأیام النحسات، ألُقبھا بسنوات اللا سلم واللا حرب، لو أننا فعلیا في حالة حرب لوجدنا مبرر یمنعنا من الحب، أصبح الحب من وقتھا وحتي الآن كالھدمة الجدیدة والأكلة السمینة، ممنوع لسبب ما لانعلمه، ممنوع وكأننا في حالة حرب، حتي أقصي الحروب ضراوة من عالمیة أولي وثانیة، رأینا صور لآلاف من خواتم الزواج لرجال زھقت أرواحھم في الحربین، ھل منعتھم الحروب من الحب والزواج، الإجابة (لآ)!
لم أجد سبباً حقیقیاً في توصیفنا للحب الآن علي انه شئ غیر مھم، كمالي، لا داعي لھ، مش فاضیین له وكأننا في حالة حرب؟
ھل ھي ظروف إقتصادیة، نفسیة، صحیة؟ طول عمرنا ومن قبل إنتھاء الملكیة في نفس الظروف مع اختلاف نمط وشكل الحیاة، لم یمنع ذلك المصریین یوما من الحب،،،
وإن كانت السنیما مؤشرا صریحا في كل العصور والثقافات ودلیلًا علي انعكاس الحالة الإجتماعیة التي تمر بھا الأوطان
فنجد شتان بین “نھر الحب”، و “عمر وسلمي” بكل أجزاءه مثلًا، فما بین الفیلمین حقبة من أربعة عقود، شھدت ھبوط في المستوي الدرامي الُمجسد للحب في مصر. لم یحدث ھذا الھبوط بمحض الصدفة ولم یكن ولید الیوم واللیلة، لو تتبعنا مسار السنیما المصریة من بعد ثورة یولیو 1952 ، یتبین كیف بدأ وانتھي الحب علي أرض المحروسة...
في سنة 1950 تم انتاج فیلم “شاطئ الغرام”، قصة حب رقیقة بین مدرسة وُمسافر لشاطئ مطروح، یسحره صوت جنیة البحر ویغرق فورا في حبھا بل ویتحدي
.”كل الظروف من أجل إبقاء ھذا الحب واتمام لزواج. الفیلم من إخراج “ھنري بركات”، بطولة “لیلي مراد”، “حسین صدقي
شھدت شعلة غیر نمطیة للحب، مغني مسرحي شاب ابن ذوات یختار بنت فقیرة من ذوي الإحتیاجات الخاصة لیحبھا، “منیر مراد”، “سعاد ثروت” 1955والإخراج ل “فطین عبد الوھاب.
كان (نھر الحب)، أشھر قصة حب في السنیما المصریة وتسجیل لقبلات زواج المشاھیر، “فاتن حمامة” و “عمر الشریف 1960.
شھدت دور العرض سنة 1965 “الثلاثة یحبونھا”، لاح في الأفق أنواع من الحب الدنیئ والمریض بدأت التفشي في سیناریو الأفلام، الحب المربوط برغبات غیر أخلاقیة، دائما یصل لأغراضھ بإباحة كافة الوسائل.
نوع مختلف من الحب ظھر في “الحب الضائع”، علاقة حب تشوبه خیانة زوجیة بین الصدیقة وزوج صدیقتھا، انھیار لقیم الصداقة والحب في آن واحد 1970.
النداھة” بدأت العلاقة بین السید والخادمة تتفشي في السنیما المصریة، دور الخادمة الأشھر جسدتھ “ماجدة” وصوت “شادیة” في الخلفیة تغني “شیئ من بعید نداني“ 1975.
(حبیبي دائماً) 1980 قصة حب كرائعة رومیو وجولییت ولكن أفسدتھا المادیات، وبالوقت یعود الحبیبان ولكن یفرقھما الموت“.
الحب فوق ھضبة الھرم” ویبدو أن العراقیل المادیة للحب أو الزواج قد أرست أسُسھا وتوغلت في المجتمع، فنجد “أحمد زكي” یجسد دور شابا یحاول الزواج من حبیبته ویفشل في زواج علني ویلجأ للسري، وُتجبرھم الظروف لممارسة حقوقھم الزوجیة فوق ھضبة الھرم حتي یتم القبض علیھم، الفيلم إنتاج عام 1985.
(إمرأة واحدة لا تكفي) عاك 1990 یعود أحمد زكي لتجسید دور الحبیب لكن ھذه المرة لا تكفیه إمرأة واحدة، وتبدأ فكرة التعدد في الظھور، الرجل المصري أصبح فجأة وبدون إنذار عنتیلًا لا یملأ عینه سوي التراب.
(یا دنیا یا غرامي) في 1995 یُجسد انتشار مفھوم “العنوسة” ویبدو أنھا قد طرقت أبواب للبیت المصري، ثلاث بنات یجري بھم العمر دون حظ في الحصول علي حبیب حتي یلجأن لأنواع من الزواج التقلیدي بدون حب.
ومع بدایة الألفیة الجدیدة، في 2000 تحديداً وبمزید من التنوع الجغرافي، تظھر “شرم الشیخ” في “شورت وفانلة وكاب” عاصمة الزواج من الأجانب كما أدعوھا، فبعد خلو مصر لأكثر من خمسین عام من قصص حب “فاطمة وماریكا وراشیل” وبمجرد أن یُفتح الباب أمام الشباب، بحثوا عن الحب والزواج من الأجانب.
تلاه حب بطعم المطاردة من الشرطة، حب شاب یسعي لكسب الرزق بأي طریقة نتیجة للظروف المادیة فیصطدم بكم المشاكل القانونیة التي تقضي علي طموحه، لم یمنعه ذلك من الحب لكن وللأسف لم یكن الحب بالأمر السھل “أبو علي” من إخراج “أحمد نادر جلال في 2005.
(بنتین من مصر) استمراراً لمسلسل العنوسة وانتشار فكرة دحض الحب واعتباره رفاھیة أو تكلفة زائدة كما یعرض الفیلم تفشي ظاھرة خوف الشباب من الإرتباط بفتاة غیر عذراء، والمعروفة ب “البنت الشمال”،كما یناقش الھجرة غیر الشرعیة ومسبباتھا وتأثیرھا علي الحب والمجتمع بصفة عامة في 2010.
ولأول مرة نعرف أن الحب سكر عسله مر وأن الزواج في الأفلام لا یلیه بالضرورة شاشة سوداء تحمل كلمة “النھایة”، فأبطال الفیلم دخلوا في علاقات حب لأكثر من مرة واحتمل الفیلم كلمة “النھایة” أكثر من مرة. الحب السریع، الزواج السریع، الطلاق السریع، كلھا ظواھر واقعیة الآن أكثر مما سبق، الفیلم إنتاج 2015، یستحق وقفة تأمل لنوع علاقات الحب المنتشرة الآن بمعدل حالتي طلاق في الألف تقریباً.
بتتبع قصص الحب منذ منتصف القرن الماضي حتي الآن، نري معدل ھبوط واضح من علاقات الحب الرقیقة وصولًا إلي علاقات تستنزف العقل والقلب، نسأل لله أن لا یصبح الحب إھانة أو تصبح ممارسة الحب إھانة، لیس لأن ذلك ضد ناموس الكون ولأن لله لما خلق أدم وحیدا خلق حواء وخلق احتیاجھم لبعضھم، بل لأن العالم بدون حب، مكان موحش.
ممنوع_منع_الحب_لعدم_الإھان

0 التعليقات:
إرسال تعليق